العاملون في ميدان العمل الخيري والإنساني… أيقونة التضحية البشرية

العاملون في ميدان العمل الخيري والإنساني… أيقونة التضحية البشرية

في صيف عام 1992، عبرتُ الحدود من كرواتيا إلى البوسنة ضمن وفد إعلامي ومنهم الأخ الصديق يوسف عبدالرحمن، رافق عدداً من العاملين في العمل الخيري (أعرف أنهم لا يريدون ذكر بطولتهم وأسمائهم، منهم من أفضى إلى ربه، ومنهم من ينتظر) لإيصال المساعدات إلى المدنيين الذين أنهكتهم الحرب.

لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت عبوراً إلى عالمٍ آخر؛ قذائف تتساقط، وطرقات محفوفة بالألغام، وغابات يلفها الخوف، وأمن مفقود، ولاجئون ينتظرون رغيفاً أو دواءً أو بطانية.

كنت أظن أن الخطر سيدفع الجميع إلى التراجع، لكنني رأيت رجالاً يحملون المساعدات بقلوب مطمئنة وإصرار عجيب، وكأنهم عقدوا العزم ألا يعودوا إلا وقد وصلت الأمانة إلى مستحقيها. يومها أدركت أن العمل الإنساني ليس وظيفة، بل رسالة تُدفع أثمانها من العمر والصحة والأسرة والراحة.

 العمل الخيري والإنساني

وحين يذكر التاريخ نماذج هذا العطاء، فإن الكويت تفخر بأن أنجبت الدكتور عبدالرحمن السميط، الذي لم يكتفِ بزيارة أفريقيا، بل عاش بين أهلها عقوداً، يجوب الأدغال والقرى النائية، ويواجه الأوبئة والجوع وقطاع الطرق وطول المسافات وقسوة الطبيعة، ليبني المدارس والمستشفيات والآبار والمراكز الصحية، ويمنح ملايين البشر أملاً جديداً. لقد أصبح السميط، رمزاً عالمياً للعمل الإنساني، لا لأنه تبرع بالمال، بل لأنه وهب حياته كلها لخدمة الإنسان.

كثيرون يظنون أن صانع الخير هو المتبرع، وهذا صحيح، لكن الحقيقة أن هناك جيشاً صامتاً يقف بين المتبرع والمحتاج. رجال الأعمال مشغولون بإدارة أعمالهم، والناس بأسرهم وأرزاقهم، والحكومات بمؤسساتها، بينما يتقدم العامل الإنساني ليؤدي عن الجميع واجباً شرعياً ورسالة أخلاقية، فيحمل الأمانة إلى آخر قرية وأصعب مخيم وأخطر منطقة.

ولهذا لم يكن غريباً أن يقول النبي ﷺ: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر). إنه تشبيه يرفع قيمة هذا العمل إلى منزلة عظيمة؛ لأن صاحبه لا يقدم مالاً فحسب، بل يقدم نفسه وجهده ووقته وأمنه وراحته.

أيقونة التضحية البشرية

والأرقام اليوم تكشف حجم التضحيات التي يدفعها هؤلاء. فقد أصبحت الاعتداءات على العاملين في المجال الإنساني في تصاعد غير مسبوق. وتشير قاعدة بيانات أمن العاملين في المجال الإنساني (AWSD)، وهي المرجع الدولي الأبرز في هذا المجال، إلى تسجيل 634 حادثة كبرى عام 2024، أصيب خلالها 936 عاملاً إنسانياً، بينهم 387 قتيلاً و308 جرحى و138 مختطفاً. وفي عام 2025 ارتفعت الأرقام أكثر، إذ تأثر 1187 من العاملين، بينهم 350 قتيلاً و322 جريحاً و235 مختطفاً، وهو مؤشر خطير على تزايد المخاطر التي تحيط بمن يحملون الغذاء والدواء إلى المنكوبين.

ولم تعد الأمم المتحدة تخفي قلقها؛ فقد وصفت السنوات الأخيرة بأنها من أكثر الفترات دموية للعاملين الإنسانيين، مؤكدة أن هؤلاء أصبحوا يُقتلون بمعدلات غير مسبوقة، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي، ومطالبةً بحمايتهم ومحاسبة المعتدين عليهم.

Oluşturulan resim

ولذلك، تولي الدول الغربية والمؤسسات الدولية اهتماماً بالغاً بحماية هؤلاء الأبطال؛ فهناك يوم عالمي للعمل الإنساني، وبرامج متخصصة للتدريب الأمني، وأنظمة لإدارة المخاطر، وتأمين صحي، ودعم نفسي للعاملين العائدين من مناطق النزاعات، فضلاً عن جوائز دولية وتغطيات إعلامية واسعة تقديراً لتضحياتهم، إدراكاً منهم أن انهيار العمل الإنساني يعني اتساع رقعة المجاعات والأوبئة والهجرة والفوضى.

إن العامل الإنساني لا يبحث عن شهرة، ولا ينتظر تصفيقاً، ولا تظهر صورته غالباً في الصفحات الأولى. يصل إلى القرى المنسية قبل عدسات الكاميرات، ويغادر بعد أن يطمئن إلى أن الماء وصل، والدواء وُزع، واليتيم وجد من يكفله، والمريض وجد من يضمد جراحه.

وفي زمنٍ تتسابق فيه الأمم على إبراز أبطالها، فإن من الوفاء أن نحتفي نحن أيضاً بأبطال الميدان الإنساني، وأن نروي سيرهم، ونكرم تضحياتهم، وندعم مؤسساتهم، ونغرس في الأجيال الجديدة أن خدمة الإنسان ليست عملاً خيرياً فحسب، بل صناعة للحضارة، وحفظ لكرامة البشر، وتجسيد لأسمى معاني الرحمة التي جاءت بها الرسالات السماوية.

فهؤلاء، بحق، ليسوا مجرد موظفين في مؤسسات خيرية، بل هم أيقونات التضحية البشرية، وجنود الرحمة الذين يحملون عن الإنسانية أثقل واجباتها، ويكتبون بصمتٍ صفحاتٍ من المجد لا تُسطر بالحبر، وإنما بالعرق والدموع، وأحياناً بالدم!
https://www.alraimedia.com/article/1775843/مقالات/العاملون-في-ميدان-العمل-الخيري-والإنساني-أيقونة-التضحية-البشرية

1 فكرة عن “العاملون في ميدان العمل الخيري والإنساني… أيقونة التضحية البشرية”

  1. Pingback: العمل الخيري التنموي - ABC MARKETING - 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top